يقول أبو نواس في قصيدته :
يا رَبِّ إنْ عَظُمَت ذُنوبي كَثْرةً *** فلقد عَلمْتُ بأنَّ عفوكَ أعظم
إنْ كان لا يرجوكَ إلا مُحسنٌ *** فبمنْ يلوذُ و يستجيرُ المجرم
أدعوك رَبِّ كما أمَرتَ تضرُّعاً *** فإذا رَدَدتَ يدي فمن ذا يَرحم
ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرجا *** و جميلُ عفوكَ ثم أَنِّي مُسْلِم
شرح المفردات الصعبة :
- يلوذُ : يلتجأ
- يستجيرُ : يطلبُ الجوار و الحماية
- تضرُّعاً : تذلُّلاً و خضوعا
للحصول على مختارات من أشعار المدونة مجمعة في كتاب “المنتقى من أبيات واحة الشعر العربي” مع بعض الإضافات التي اختص بها المرجو الضغط على هذا الرابط
شرح الأبيات :
يفتتح أبو نواس أبياته بالإعتراف بالذنب و التقصير حتى صارت ذنوبُه كثيرة و عظُمت في عينه. لكنها مع ذلك لا تتعاظم أمام عفو الله و رحمته، فرحمته تعالى وسعت كل شيء. دعاء أبي نواس و ابتهاله و استغفاره في هذا البيت فيه حُسن أدب إذ قدم الإعتراف بالذنوب و الخطايا و جعلها عظيمة في عينه قبل أن يتضرع بأنها تهون أمام عفو الله و صفحه و إن عظمت وهذا من حَسنِ الإستغفار و الرجاء. إن هذا التذلل و الإنكسار و الله لمرجاةٌ للمغفرة و الرحمة، خلافا لمن يفتخر بذنوبه و يستصغرها و يحقرها. يقول ابن القيم في كتابه الماتع “الجواب الكافي” إنّ العبد لا يزال يرتكب الذنوب حتى تهون عليه و تصغر في قلبه، و ذلك علامة الهلاك؛ فإنّ الذنب كلما صغُر في عين العبد عظُم عند الله.
و في البيت الثاني يذكر أن أبواب رحمة الله و مغفرته ليست محصورة على من أحسن العمل و كان من الصالحين، بل إن الله يقبل أيضا توبة المجرمين إن هم تابوا و أصلحوا. فلا يليقُ أن يقنط المرء من رحمة الله و عفوه و إن أسرف في الإجرام و المعاصي.
أما في البيت الثالت فيتذلل تذللا جميلا و يتضرع إلى المولى عز و جل رافعا أكفه إليه، و الله حيي كريم يستحي من عبده أن يبسط إليه يديه، ثم يردهما خائبتين، كما في الحديث الصحيح. أبو نواس يتضرع و يتذلل إلى الله موحدا له و طالبا عفوه و صفحه فليس له غيرَ الله يرحمُه و ليس يرجو أحدا سواه، فإليه وحده الإستغفار و الرجاء من أبي نواس.
و في البيت الأخير يتبرأ الشاعر من حوله و قوته فليسَ يتضرع بأعمال قام بها أو خصالٍ حسنة فيه بل دخل من باب الرجاء و جميل عفو الرحمان. ثم إنه مسلم موحد غير مشرك فهو يرجو بذلك أن يرحمه الله و يغفر له و إن كانت صدرت منه المعاصي العظام فيما سبق.
